المسعودي

111

مروج الذهب ومعادن الجوهر

وأتى منزل روح عشياً مختفياً ، وخرج روح للصلاة ، فتوصل الفتى إلى دخول الدهليز في حال خروج روح ، وكمن تحت الدرجة ، ولم يزل يحتال ليلته حتى توصل إلى بيت روح ، فكتب على حائط في أقرب المواضع من مرقد روح : يا روح من لبُنيَّاتٍ وأرملة إذا نعاك لأهل المغرب الناعي إن ابن مروان قد حانت منيته فاحتل لنفسك يا روحُ بْنَ زنباع ولا يغرنك أبكار منعمة واسمع هديت مقال الناصح الداعي ورجع إلى مكانه بالدهليز ، فبات فيه ، فلما أصبح روح خرج إلى الصلاة فتبعه غلمانه ، والفتى متنكر في جملتهم مختلط بهم ، فلما عاد روح وافتتح باب حجرته تبين الكتابة وقرأها ، فراعه ذلك وأنكره ، وقال : ما هذا ؟ فوالله ما يدخل حجرتي إنسيٌ سواي ، ولاحظ لي في المقام بالعراق ثم نهض إلى بشر ، فقال له : يا ابن أخي ، أوصني بما أحببت من حاجة أو سبب عند أمير المؤمنين ، قال : أوتريد الشخوص يا عم ؟ قال : نعم ، قال : ولم ؟ هل أنكرت شيئاً أو رأيت قبيحاً لا يسعك المقام عليه ؟ قال : لا والله ، بل جزاك الله عن نفسك وعن سلطانك خيراً ، ولكن أمر حدث ، ولا بد لي من الانصراف إلى أمير المؤمنين فأقسم عليه أن يخبره ، فقال له : إن أمير المؤمنين قد مات أو هو ميت إلى أيام ، قال : ومن أين علمت بذلك ؟ فأخبره بخبر الكتابة ، وقال : ليس يدخل حجرتي غيري وغير جاريتي فلانة ، وما كتب ذلك إلا الجن أو الملائكة ، فقال له بشر : أقم فإني أرجو أن لا يكون لهذا حقيقة ، فلم يَثْنِه شيء ، وسار إلى الشام ، فأقبل بشر على الشراب والطرب ، فلما لقي روح عبد الملك أنكر أمره ، وقال : ما إقدامك إلا لحادثة حدثت على بشر ، أو لأمر كرهته ، فأثنى على بشر ،